محمد بن محمد ابو شهبة

177

السيرة النبوية في ضوء القرآن والسنة

7 - أن النبي صلى اللّه عليه وسلم له أن يجتهد فيما لم ينزل فيه وحي ، وأنه إذا اجتهد في أمر من الأمور وسكت الوحي عن هذا الاجتهاد كان ذلك دليلا على موافقته الصواب والحق ، واكتسب صفة إقرار الوحي لما أدّى إليه الاجتهاد ، لأنه سبحانه حاشاه أن يقر نبيه على أمر يخالف الحق والصواب ، أما إذا اجتهد النبي ولم يصادف الصواب نزل الوحي معاتبا ومبينا ، وذاك كما حدث في هذه الغزوة . فقد نزل قوله تعالى معاتبا : ما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ . . . والنبي في كلتا الحالتين مأجور ، لأن الإسلام يقرر أن من اجتهد فإن أصاب فله أجران وإن أخطأ فله أجر ، وهذا يدل على مبلغ تقدير الإسلام للاجتهاد والدعوة إليه ، وتكريم المجتهدين ، وهذا الذي ذهبنا إليه من أنه صلى اللّه عليه وسلم له أن يجتهد هو ما عليه جمهور العلماء والمحققون منهم ، وهو الرأي الراجح المنصور . 8 - حدوث بعض المعجزات النبوية الحسية في هذه الموقعة : فقد ذكر ابن إسحاق وغيره أن عكاشة بن محصن الأسدي حليف بني عبد شمس قاتل يوم بدر بسيفه حتى انكسر ، فأتى النبي صلى اللّه عليه وسلم فأعطاه جذلا « 1 » من حطب ، فقال : « قاتل بهذا يا عكاشة » فأخذه فهزّه فصار سيفا في يده طويل القامة ، شديد المتن ، أبيض الحديدة ، فقاتل به حتى فتح اللّه على المسلمين ، وكان يسمى « العون » ، ولم يزل هذا السيف عنده يشهد به المشاهد مع رسول اللّه حتى استشهد على يد طليحة الأسدي أيام حروب الردة . وكان النبي يشيد بشجاعة عكاشة هذا فيقول : « منا خير فارس في العرب » قالوا : ومن هو يا رسول اللّه ؟ قال : « عكاشة بن محصن » فقال ضرار بن الأزور الأسدي : ذاك رجل منا يا رسول اللّه ، فقال : « ليس منكم ولكنه منا للحلف » « 2 » وبحسبه شرفا هذا التقدير الكريم .

--> ( 1 ) الجذل : ما عظم من أصول الشجر المقطّع ، وقيل : هو من العيدان ما كان على مثال شماريخ النخل وهو المراد . ( 2 ) الروض الأنف ، ص 73 ، الجمالية .